عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
287
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وبنانيا زرقا كأن بطونها * قطع الثلوج نقية الأمعاء « 1 » ليست بآكلة الحشيش ولا التي * يبتاعها الخناق في الظلماء « 2 » لا شك أن هذا النوع من الشعر هو من وحي موائد الخلفاء والملوك والأمراء تلك الموائد التي كانت تمتلئ بأطايب الأطعمة الكثيرة المنوعة . كما أنه شعر مرتبط بروح الشعب أيما ارتباط . يحكي لنا شهواتهم واشتياقهم إلى ما حرموا منه ، ويصف لنا تذوقهم لما أكلوه واستساغوا طعمه فاندفعوا يتفننون بمديحه ووصفه في عدة أبيات أو قد يجيء الوصف في قصيدة طويلة كما رأينا في قصيدة الرفاء وقصيدة مساور الوراق . كذلك يصور لنا هذا الشعر عواطفهم ونزعاتهم النفسية وهم ينتظرون ما سيقدم لهم من ألوان الأطعمة بلهفة وشوق . والويل لمن يبخل أو يقصر في مثل هذه الدعوات . ان ألسنة الشعراء لا ترحم في مثل هذه المواقف فتنبري بهجاء لاذع . وقد يكون هذا الشعر مليئا بالتهكم كما رأينا في هجاء السري الرفاء للشاعر الملحي « 3 » الذي دعاه وأصدقاءه ولم يقدم لهم الا النذر اليسير من الأطعمة بعد أن طال انتظارهم وطار لبهم فاختلط عليهم الكلام ، وعندما هبطت عليهم الرحمة كان الطعام قليلا والخبز نزرا والشواء جديا هزيلا متعبا قد بدت عظامه واعوجت لشدة هزاله . وما أقبح أن يهجى العربي بالبخل ولا سيما في قرى الضيف أو في التقطير على نفسه وأهله في المطاعم والمشارب . هذه امرأة غاب عنها زوجها وحضر مائدة الأمير ، وبعث إليها رسالة يعلمها بذلك فكتبت اليه غاضبة معاتبة هاجية ، وقد شبهته بالكلب يسمن وقد جوّع أهله : أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي * وأنت على باب الأمير بطين إذا غبت لم تذكر صديقا ولم تقم * فأنت على ما في يديك ضنين فأنت ككلب السوء جوّع أهله * فيهزل أهل البيت وهو سمين « 4 »
--> ( 1 ) البناني : ج بنى بضم الباء كالمنسوب إلى البن . وهو نوع من السمك . ( 2 ) العقد الفريد : ج 6 - ص 297 . ( 3 ) أنظر ص ( 278 ) من هذا الفصل . ( 4 ) الأمالي : لأبي علي القالي : ج 2 - ص 133 . ط : دار الحكمة لبنان .